السيد الطباطبائي
181
تفسير الميزان
وفيه أيضا : ومتى قيل : كيف اكتفى بهذا القدر في جوابهم ؟ قلنا : لما تقدم التحدي وعجزهم عن الاتيان بمثله اكتفى ههنا بالتنبيه على ذلك . انتهى والظاهر أن الجواب عن قولهم : " إن هذا إلا إفك افتراه " - الخ ، وقولهم : " أساطير الأولين اكتتبها " الخ ، جميعا هو قوله تعالى : " قل أنزله الذي يعلم السر " الخ ، على ما سنبين والجملة أعني قوله : " فقد جاؤوا ظلما وزورا " رد مطلق لقولهم وهو في معنى المنع مع السند وسنده الآيات المشتملة على التحدي . وبالجملة معنى الآية : وقال الذين كفروا من العرب ليس هذا القرآن إلا كلاما مصروفا عن وجهه - حيث إنه كلام محمد ص وقد نسبه إلى الله - افترى به على الله وأعانه على هذا الكلام قوم آخرون وهم بعض أهل الكتاب فقد فعل هؤلاء الذين كفروا بقولهم هذا ظلما وكذبا . قوله تعالى : " وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " الأساطير جمع أسطورة بمعنى الخبر المكتوب ويغلب استعماله في الاخبار الخرافية والاكتتاب هو الكتابة ونسبته إليه ص مع كونه أميا لا يكتب إنما هي بنوع من التجوز ككونه مكتوبا باستدعاء منه كما يقول الأمير كتبت إلى فلان كذا وكذا وإنما كتبه كاتبه بأمره ، والدليل على ذلك قوله بعد : " فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " إذ لو كان هو الكاتب لم يكن معنى للاملاء ، وقيل : الاكتتاب بمعنى الاستكتاب . والاملاء إلقاء الكلام إلى المخاطب بلفظه ليحفظه ويعيه أو إلى الكاتب ليكتبه والمراد به في الآية هو المعنى الأول على ما يعطيه سياق " اكتتبها فهي تملي عليه " إذ ظاهره تحقق الاكتتاب دفعه والاملاء تدريجا على نحو الاستمرار فهي مكتوبة مجموعة عنده تقرا عليه وقتا بعد وقت وهو يعيها فيقرأ على الناس ما وعاه وحفظه . والبكرة والأصيل الغداة والعشي ، وهو كناية عن الوقت بعد الوقت ، وقيل المراد أول النهار قبل خروج الناس من منازلهم وآخر النهار بعد دخولهم في منازلهم وهو كناية عن أنها تملى عليه خفية . والآية بمنزلة التفسير للآية السابقة فكأنهم يوضحون قولهم : إنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون بأنهم كتبوا له أساطير الأولين ثم يملونها عليه وقتا بعد وقت